الشيخ محمد رشيد رضا

315

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وبين ما قاله الأستاذ الامام ، يعرف قيمة استعمال العقل فيما خلق له من غير تقييد بالتقليد وكم ترك الأول للآخر بعد ما بين سبحانه ان القتال كتب على هذه الأمة فلا مفر منه ، وان كرهه المؤمنون خشية ان يضيع الحق بهلاك أهله ، أو لما أودع القرآن قلوبهم من الرحمة ، والرجاء بجذب الناس إلى الايمان بجاذب الدليل والحجة ، - وهو الأرجح - بين سبحانه مسألة لا بد في هذا المقام من بيانها للحاجة إلى العلم بها ، على أنه وقع السؤال عنها ، وهي مسألة القتال في الشهر الحرام فقد كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقر الناس على غير القبيح مما كانوا عليه ، وترك القتال أربعة أشهر من السنة حسن لأنه تقليل للشر ، لذلك كان لما فعله عبد اللّه بن جحش وأصحابه وقع سئ عند المسلمين والمشركين جميعا ، على أنهم لم يكونوا يعلمون عند أخذ العير وقتل من قتلوا ان ذلك اليوم غرة رجب . قيل إن السائلين هم المؤمنون وقيل هم المشركون وقد تقدمت الرواية في ذلك ، وسياق الآية رد على المشركين ، وإرشاد للمؤمنين ، وهي * * * يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ أي عن القتال فيه وقريء « عن قتال فيه » بتكرير العامل وقدم ذكره للعناية به ، ونكر القتال في السؤال والجواب لتنويعه كأنه قيل أيصح أن يقع فيه قتال ما ؟ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ أي ان أي قتال فيه وان كان صغيرا في نفسه امر كبير مستنكر وقوعه فيه لعظم حرمته وقال بعضهم معناه ذنب كبير وهذا تقرير لحرمة القتال في الشهر الحرام ، قال ابن جريج حلف لي عطاء باللّه انه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم الاعلى سبيل الدفع ، وان هذا حكم باق إلى يوم القيامة . وقال بعضهم انه منسوخ بقوله تعالى في سورة التوبة ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) وانكر بعضهم هذا لأنه نسخ للخاص بالعام وفيه خلاف . وقال أخرون إن الآية لا تدل - وعبارة البيضاوي والأولى منع دلالة الآية - على حرمة القتال في كل الشهر الحرام مطلقا لان لفظ « قتال » فيها نكرة في حيز مثبت فلا تعم